1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

ماذا تخسر ألمانيا برحيل السوريين؟

علي المخلافي
٣١ مارس ٢٠٢٦

أثار تصريح المستشار الألماني ميرتس بشأن عودة 80% من السوريين إلى بلادهم انتقادات حادة. فالسوريون أحد أعمدة قطاعات العمل الحيوية الصحية والخدماتية في ألمانيا، ما يجعل لأي عودة جماعية لهم آثاراً اقتصادية واجتماعية عميقة.

https://p.dw.com/p/5BRkl
ألمانيا -  مدينة ماينتس 2024 | سوريون في المنفى يحتفلون بسقوط نظام الأسد
الحديث عن "عودة جماعية" للسوريين إلى سوريا لا يزال على الأرجح بعيدا عن الواقع، رغم الجدل السياسي المتصاعد حوله.صورة من: Andreas Arnold/dpa/picture alliance

أعاد المستشار الألماني فريدريش ميرتس إشعال النقاش حول مستقبل السوريين بعد تصريحه بأن "80% من السوريين في ألمانيا يجب أن يعودوا لبلادهم خلال ثلاث سنوات"، وذلك بعد لقائه أحمد الشرع، الرئيس السوري الانتقالي، بحسب ما نشر موقع تاغيس شاو الألماني الإعلامي العام. وقد أكد ميرتس أن الحرب الأهلية في سوريا "انتهت" وأن العودة باتت "ممكنة".

لكن هذا التصريح قوبل بانتقادات واسعة من داخل الحكومة نفسها. فقد وصفت أَنكِه ريلينغر، نائبة رئيس الحزب الاشتراكي طرح أرقام محددة بأنه "ليس فكرة ذكية"، محذرة من خلق توقعات غير قابلة للتحقيق. كما أكدت في تصريحات لموقع مجموعة فونكه الإعلامية أن "الكثير من السوريين أصبحوا جزءا من المجتمع الألماني ويعملون في مهن حيوية مثل مجال الرعاية البشرية وقيادة الحافلات، بل وحصل عدد منهم على الجنسية".

انتقادات من خبراء الهجرة: "هدف ميرتس غير واقعي"

من جانبه قال الباحث في شؤون الهجرة دانييل تيم من جامعة كونستانس لصيحفة هانديلْسبلات الاقتصادية الألمانية الصادرة اليوم الثلاثاء (31 مارس/آذار 2026) إن عودة 80% "غير واقعية إطلاقاً"، مشيراً إلى أن عدد العائدين طوعاً لا يزال "بضعة آلاف فقط". كما شدد على أن الظروف الأمنية، رغم التغيرات السياسية، لا تسمح بعودة جماعية، خاصة أن جزءا كبيرا من البنية التحتية السورية لا يزال منهارا.

من جهتها، وصفت لويزا أمسبرغ، وهي عضوة لجنة الشؤون الخارجية في حزب الخضر، موقف ميرتس بـ"المخجل"، معتبرة أنه يزرع الخوف بين مئات آلاف السوريين المندمجين في ألمانيا، وفق تصريحاتها لصحيفة راينشه بوست الألمانية الصادرة اليوم.

ماذا يعني رحيل السوريين للقطاع الصحي الألماني؟

وتكمن الخسارة الكبرى في حال مغادرة السوريين في قطاع الصحة الألماني، وفق تصريحاتٍ أدلت بها في العام الحالي 2026 هانريته نويماير نائبة جميعة المستشفيات الألمانية.

وبحسب إحصائيات نهاية 2024، يوجد 5745 طبيبا سورياً يعملون في المستشفيات الألمانية يشكلون أكبر مجموعة من الأطباء الأجانب في ألمانيا ويعمل أكثر من 2000 ممرض وممرضة سوريين في المستشفيات الألمانية.

وقالت هانريته نويماير إن رحيل هذه الأعداد "سيؤثر مباشرة على القدرة العلاجية" في ألمانيا وإن إجبارهم على العودة "غير مثمر لأمن النظام الصحي".

ويتوافق هذا مع تقارير دويتشه فيله DW في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 التي أكدت أن من شأن القطاع الصحي خصوصا في المدن الصغيرة والمناطق الريفية التضرر بشدة، وفق ما أوضحت الباحثة يوليا كوسياكوفا من معهد أبحاث سوق العمل، مشيرة إلى أن تأثير رحيلهم في لن يقتصر فقط على الأطباء بل يشمل التمريض والرعاية وكذلك الخدمات اللوجستية.

شهادات من الميدان الطبي: أرقام تظهر حجم الخسارة

وفي تقرير تلفزيوني ألماني نشرته دويتشه فيله "دي دبليو" DW في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قدم أطباء سوريون مواقف مباشرة، وكان منهم عمار جبور، طبيب العيون في ألمانيا الذي قال: "أعالج أكثر من ألف مريض سنويا. إذا عاد نصف الأطباء إلى سوريا فسيتضرر النظام الصحي الألماني بشدة".

وقال باسل السعيد، جراح الفم والوجه والفكين: "ميرتس يحاول كسب الأصوات، لكنه يفاقم التطرف ويثير الخوف بين المهاجرين". كما أشار إلى أن السوريين المنتقلين حديثاً إلى ألمانيا: "لا يملكون شيئاً في سوريا"، وأن العودة بالنسبة لهم قد تكون مستحيلة.

السوريون.. ركيزة ضرورية في قطاعات مختلفة

وبحسب تقرير لدي دبليو من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أكدت تصريحات للخبير هربرت بروكر رئيس قسمأبحاث الهجرة في معهد أبحاث سوق العمل والتوظيف أنه في ألمانيا يعمل 300 ألف سوري في وظائف نظامية ويعمل 20 ألفاً لحسابهم الخاص معظمهم يعمل في القطاعات الأكثر حاجة: الرعاية والنقل والضيافة والحِرَف واللوجستيات.

وأضاف أن 60% من السوريين يعملون في مهن ذات أهمية ضرورية لسير المجتمع والحياة اليومية وأنهم يشكلون نسبة أعلى بكثير من الألمان العاملين في هذه الفئة والذين تبلغ نسبتهم 48%. ويحذر بروكر من أن رحيل السوريين يعني "نقصاً في الإمدادات، وارتفاعاً في الأسعار، وفجوات لا يمكن سدها".

ويعمل العديد من السوريين في قطاع البناء أو في مهن حرفية مثل الكهرباء والدهان وتركيب البلاط والسباكة بعد اندماجهم وتدريبهم. وتعاني العديد من المناطق بالفعل من نقص في العمالة في قطاعي البناء والتجارة، لذا فإن فقدان هؤلاء العمال سيزيد من حدة النقص القائم، بحسب ما نشر معهد أبحاث سوق العمل  التابع لوكالة التوظيف الفيدرالية في تقرير نشر عام 2023.

أيضاً، يعمل العديد من السوريين، وخاصة في المدن الكبرى، في المطاعم والفنادق والمقاهي ومحلات الوجبات الخفيفة والمخابز، أو كعمال توصيل. يعاني قطاع الضيافة بالفعل من نقص في العمالة الماهرة، وقد يؤدي فقدان الموظفين إلى اضطرابات كبيرة وإغلاقات، وفق تقرير وكالة التوظيف الفيدرالية.

أرقام عن اندماج السوريين في سوق العمل

ووفق خدمة الاندماج الإعلامية استناداً إلى بيانات الوكالة الاتحادية للعمل في أكتوبر/تشرين الأول 2025 فإن 799,500 شخص من دول اللجوء يعملون في ألمانيا وأكبر مجموعة فيهم هي السوريون>

وبلغت نسبة توظيف السوريين 64% بعد 9 سنوات من مجيئهم إلى ألمانيا عام 2015، ونسبة توظيف الرجال السوريين بعد 8 سنوات من مجيئهم بلغت 86% أي أعلى من متوسط توظيف الرجال الألمان البالغ 81%، فيما انخفضت نسبة البطالة بين اللاجئين السوريين من 50% عام 2016 إلى 27% عام 2025.

موجات جديدة من القلق؟

وتظهر تقارير دويتشه فيله DW في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أن السوريين يشعرون بقلق متزايد بسبب الخطاب السياسي. وقال الطبيب أنس جانو وهو استشاري قلب وكبير أطباء في مستشفى يينا: "من يشعر بأنه مرحَّب به فسيبقى. المشكلة ليست فقط في الوظائف، بل في الشعور بالأمان والقبول". وأشار إلى أن كثيرين من السوريين "بنوا حياة وعائلات"، وأن العودة الدائمة "غير ممكنة" حالياً رغم مسؤوليتهم الأخلاقية تجاه وطنهم.

بين العودة الطوعية والواقع القاسي

ورغم سقوط نظام الأسد السابق، تشير تقارير دويتشه فيله من عام 2025 إلى غياب البنية التحتية في عدد كبير من المدن السورية واستمرار انعدام الخدمات الأساسية ومخاوف أمنية لدى العائدين، إضافةً إلى عدم قدرة سوريا على استيعاب آلاف الأطباء والعمال مرة أخرى بسهولة. وحتى أغسطس/آب 2025 عاد 1900 سوري فقط طوعيا إلى سوريا وفق وزارة الداخلية الألمانية.

ووفق الهيئة الاتحادية للهجرة واللاجئين "مكتب بامف" وبحسب ما نقلته دويتشه فيله DW في 11 فبراير/شباط 2026) فإن عدد المتقدمين لطلب العودة الطوعية إلى سوريا عام 2025 بلغ 5,976 سورياً وسورية عاد منهم فعليا عام 2025 إلى سوريا 3,678 سورياً وسورية. وهذا يعني أن الحديث عن "عودة واسعة" لا يزال بعيدا عن الواقع، رغم الجدل السياسي المتصاعد حوله.

تحرير: عماد حسن