1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW
سياسةروسيا الاتحادية

بعد انتكاسة روسيا في مالي.. هل حان وقت رهانات بديلة لواشنطن؟

١٥ مايو ٢٠٢٦

فشل المقاربة الروسية في الساحل لم يكن مجرد هزيمة عسكرية، بل "درس مجاني" للإدارة الأمريكية. فكيف يمكن لواشنطن أن تستغل لحظة الضعف الحالية في باماكو لإعادة تموضع ذكي يوازن بين الأمن القومي وحقوق الإنسان؟

https://p.dw.com/p/5DnNC
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحلق فوق مدينة "غاو" على متن مروحية عسكرية، وذلك خلال زيارة قام بها لعملية "برخان" الفرنسية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، شمال مالي، بتاريخ 19 مايو/ أيار 2017.
حافظت السلطة العسكرية في مالي على قبضتها على الحكم، إلا أنها خرجت ضعيفة بعد الهجمات وكذلك شركاؤها الروس.صورة من: Christophe Petit Tesson/abaca/picture alliance

تشهد منطقة الساحل الأفريقي تصاعدا في التهديدات الأمنية مع تنامي نفوذ الجماعات المسلحة وضعف بعض الحكومات المحلية. وتبحث الولايات المتحدة عن طرق لإعادة بناء حضورها هناك عبر شراكات مرنة توازن بين مكافحة "الإرهاب" وحماية مصالحها الاستراتيجية. هذا ما أكده الباحث الأمريكي ليام كار، المتخصص في الشؤون الأفريقية والأمن القومي، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست.

فرص جديدة لاختراقات في غرب أفريقيا

ويقول كار إن الولايات المتحدة لديها فرصة جديدة لتحقيق اختراقات في غرب أفريقيا، لكن الظروف نفسها التي تخلق هذه الفرصة يجب أن تكون بمثابة رواية تحذيرية للمسؤولين الأمريكيين.

ومنح هجوم واسع النطاق مؤخرا شنته جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، التابعة لتنظيم القاعدة في غرب أفريقيا، الجماعة وحلفاءها السيطرة على أجزاء كبيرة من شمال مالي. وبينما حافظت السلطة العسكرية في مالي على قبضتها على الحكم، إلا أنها خرجت ضعيفة ومهينة بلا شك، وكذلك شركاؤها الروس. وتمثل هذه اللحظة فرصة للولايات المتحدة لتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب مع السلطات المالية، وتقليص النفوذ الروسي الضار، والحصول على إمكانية الوصول إلى معادن استراتيجية.

ورغم جاذبية هذه الفرصة، ينبغي على المسؤولين الأمريكيين التحرك بحذر. فالهجوم وإخفاقات روسيا في منطقة الساحل يوضحان التحديات الكبيرة التي ستواجهها الولايات المتحدة في محاولتها بناء شراكات عميقة في المنطقة. وينبغي أن تتبنى واشنطن نهجا يوازن بين الأهداف الأمنية الأمريكية المباشرة، مثل حماية المواطنين والشركات الأمريكية، وبين استغلال فرص التعاون المستدام في مالي والمنطقة المحيطة.

اختلاف بين النهج الروسي والأمريكي

ويختلف هذا النهج عن المقاربة الروسية الأخيرة في مالي، التي تقوم على الاندفاع السريع إلى شراكة غير مستقرة مع قادة قد يستبدلون قريبا، ما يترك الكرملين دون نتائج ملموسة. وفي منطقة الساحل، أظهرت روسيا للولايات المتحدة ما لا ينبغي فعله. ولحسن حظ المسؤولين الأمريكيين، فإن روسيا سبقت في إظهار التحديات التي تنتظر الولايات المتحدة وأي شركاء محتملين آخرين.

وقد سبق أن تفاوضت القوات الروسية على انسحاباتها من مناطق واسعة في شمال مالي، وسط اتهامات غاضبة من شركائها المحليين بأنها تركت حلفاءها الماليين السابقين ليؤسروا "مثل الفئران". وتؤكد موسكو أنها لا تنوي التخلي عن مالي، حيث تعيد قواتها تمركزها في المناطق الوسطى والجنوبية ذات الأهمية الاستراتيجية.

ومع ذلك، تكشف هذه الانتكاسة عن حدود قدرة روسيا على احتواء التمرد المتصاعد بسرعة في البلاد، وهو ما يمثل تحديا كبيرا لأي شركاء أمنيين. وإلى جانب الفرصة التي حققتها إخفاقات موسكو، فإن الهجمات تؤكد الحاجة إلى وجود أمريكي في المنطقة الأوسع لحماية المواطنين والمصالح الأمريكية. فقد أصدرت السفارة الأمريكية في مالي عدة تحذيرات أمنية في الأسابيع الأخيرة، تحث فيها المواطنين الأمريكيين على البقاء في أماكنهم بسبب تحركات مسلحين قرب العاصمة باماكو.

استهدافات مست مصالح أمريكا

 وحتى قبل الهجوم الأخير، استهدفت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" منجما مدعوما من الولايات المتحدة في مالي، كما قامت جماعة "تنظيم الدولة الإسلامية ولاية الساحل" باختطاف مواطن أمريكي من العاصمة في النيجر المجاورة. وعلى الرغم من هذه التهديدات الخطيرة، ينبغي على الولايات المتحدة ألا تربط نفسها بالقادة غير الفاعلين أو غير المستقرين في المنطقة.

فاستراتيجية الحكومات العسكرية في المنطقة تقوم على استخدام العنف المفرط، وهو ما أدى في النهاية إلى تسريع وتيرة أعمال التمرد في الساحل بدلا من إخضاعها. ولن يؤدي أي مستوى من المساعدات الأمريكية إلى إخراج هذه الأنظمة من المأزق الذي وضعت نفسها فيه عبر سياسات قمعية وغير فعالة.

ويقول كار إنه لتحقيق نتائج مختلفة مستقبلا، ينبغي على الولايات المتحدة التحول إلى تعاون أكثر استهدافا يركز بشكل أساسي على حماية المواطنين والشركات الأميركية في المنطقة.

التخطيط والعلاقات.. منفذ للقوة

وفي هذا السياق، تعد عمليات المراقبة والاستطلاع الجوي الأمريكية فوق مالي مثالا مناسبا للتعاون المحدود الذي لا يصل إلى مستوى الشراكة الملزمة. ومن خلال هذه الرحلات، يمكن للولايات المتحدة التعاون مع السلطات المالية لتحديد مواقع الجماعات المسلحة مسبقا، مع تجنب الدعم الشامل للسلطة العسكرية.

ويقول كار إن هذا النهج يجب أن يراعي، قبل كل شيء، احتمال وصول سلطات جديدة إلى الحكم. وينبغي للولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين وضع خطط جاهزة للتعامل مع حكومة جديدة أو دعم مرحلة انتقالية. ويجب أن تحاكي هذه الخطط طريقة تعامل واشنطن الحالية مع السلطة العسكرية في مالي، عبر تقديم مساعدات محدودة تمكن الحكومة من احتواء التمرد والتفاوض معه من موقع قوة.

ومع وجود إطار مرن يتيح أيضا إمكانية شراكة طويلة الأمد إذا تحسنت الظروف، يمكن للولايات المتحدة وحلفائها التفوق على منافسين مثل روسيا أو الصين. وبالنظر إلى غياب شركاء مثاليين في منطقة الساحل نفسها، فإن العمل عبر شركاء أكثر استقرارا في المناطق المجاورة يجب أن يكون جزءا من الاستراتيجية. فالولايات المتحدة تربطها علاقات قوية مع المغرب وعلاقات متنامية مع الجزائر، وكلاهما يلعب دورا مهما في الساحل.

كما أن دول غرب أفريقيا الساحلية مثل بنين وكوت ديفوار وغانا وموريتانيا تعد شركاء دفاعيين للولايات المتحدة وتواجه تهديدات مشتركة من الجماعات الجهادية، ويمكن لهذه الدول أن تكون وسطاء مهمين وتساهم في تقاسم أعباء الأمن في المنطقة.

إن بناء أشكال محدودة من التعاون يمكن أن يحقق أهدافا فورية ويشكل أساسا لشراكة طويلة الأمد، دون ربط الولايات المتحدة بمغامرات فاشلة أو التضحية بفرص التعاون مع حكومات جديدة قد تصل إلى الحكم لاحقا.