تشريعات صينية جديدة: أداة تصعيد استراتيجي ضد الشركات الغربية
١٧ مايو ٢٠٢٦
تُسمّي الشركات الغربية مساعيها لنقل الإنتاج خارج الصين أو تقليص الاعتماد على وارداتها من هناك "انفصالًا" أو "تقليلًا للمخاطر". وقد يخيَّل للبعض أن بكين تقف عاجزة أمام هذا التوجه، لكن هذا الاستنتاج يغفل حقيقة جوهرية ألا وهي: الصين ليست طرفًا يمكن تجاهله في المعادلة.
فقد منعت السلطات الصينية في أبريل/ نيسان صفقة استحواذ شركة "ميتا" على شركة "مانوس" الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي بقيمة ملياري دولار (1.7 مليار يورو)؛ وبذلك أرسلت إشارة واضحة أنه حتى الأعمال التجارية خارج الحدود الصينية لم تعد آمنة.
ويقع المقر الرئيسي لشركة مانوس في سنغافورة، إلا أنها تستند إلى جذور صينية راسخة. وتُعدّها بكين إحدى أوراقها الاستراتيجية الرابحة في السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي وقد منعت الصفقة لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
جاءت هذه الخطوة في أعقاب الإدخال السريع لـ"لوائح أمن الصناعة وسلسلة التوريد" من قبل بكين في أبريل/ نيسان أيضا. وتعزز هذه الإجراءات قدرة الصين على منع عمالقة التكنولوجيا الأمريكية من شراء التقنيات الصينية المتطورة.
اللوائح الجديدة تمنع "الانفصال"
غير أن تأثير هذه اللوائح يتجاوز ما يبدو ظاهرًا. ففي الواقع، تبعث بكين برسالة تحذير واضحة إلى الحكومات والشركات الأجنبية من مغبّة "الانفصال" عنها. إذ بات بإمكان السلطات الصينية اتخاذ إجراءات انتقامية ضد الشركات التي تنقل مصانعها إلى دول مثل فيتنام أو الهند، أو تعيد الإنتاج إلى بلدانها الأصلية. كما قد تواجه هذه الشركات غرامات مالية، أو إدراجها في قوائم سوداء ضمن سلاسل التوريد، إذا التزمت بالعقوبات أو ضوابط التصدير التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الشركات الصينية.
وترى ريبيكا أرسيساتي، المحللة في معهد ميركاتور ، في تصريحات لـDW، أن هذه الإجراءات "تهدف إلى تقويض تدابير الحد من المخاطر، التي اتخذها الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بما في ذلك ألمانيا ، الرامية إلى تقليل الاعتماد على الصين".
منذ بداية جائحة كورونا كثف كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة جهودهما لجعل سلاسل التوريد أكثر مرونة وأقل اعتمادا على الصين. وقد قلصت العديد من الشركات الأجنبية أنشطتها هناك. وتم نقل جزء من الإنتاج إلى أماكن أقرب إلى موطنها الأصلي.
وعلى الرغم من أن التوترات التجارية بين الصين والغرب كانت مستمرة منذ سنوات، إلا أن الرسوم الجمركية الجديدة الصارمة، التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على البضائع الصينية في عام 2025 قد ساهمت بشكل كبير في تسريع هذا التحول. وقد أدت هذه النزاعات مجتمعة إلى تسريع الابتعاد عن العولمة والتحول نحو نظام تجاري عالمي أكثر تجزئةً وقائم على تشكيل الكتل.
أوروبا ترد على الإفراط في الإنتاج الصيني
في ظل الإغراق المتكرر للأسواق الأوروبية بالسلع الصينية منخفضة الأسعار، وآخرها السيارات الكهربائية، التي تدفقت نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، يتجه الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ تدابير أكثر صرامة لحماية اقتصاده بشكل أفضل.
ففي مارس/ آذار نشرت المفوضية الأوروبية، وهي الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي، تفاصيل حول "قانون مسرع الصناعة" للاتحاد. وعلى الرغم من عدم ذكر الصين صراحةً في هذا القانون، إلا أن لائحة الاتحاد الأوروبي هذه تهدف إلى تقليل الاعتماد الاستراتيجي لأوروبا على السلع والاستثمارات الصينية. كما تهدف إلى التصدي للمنافسة غير المشروعة من قبل المنافسين الصينيين الذين يستفيدون في كثير من الأحيان من إعانات حكومية ضخمة.
يضع هذا الصراع التنظيمي الشركات متعددة الجنسيات، ولا سيما شركات صناعة السيارات الألمانية في موقف يزداد صعوبة. ذلك أن شركات مثل فولكسفاغن وبي إم دبليو ومرسيدس بنز لا تريد المخاطرة بحصصها السوقية الكبيرة في الصين.
بالإضافة إلى ذلك تنتج شركات صناعة السيارات جزءًا كبيرا من سياراتها في الصين لتصديرها بعد ذلك إلى مناطق أخرى. وفي الداخل تتعرض الشركات المصنعة لضغوط لتقليل اعتمادها على المكونات الصينية، بينما تتنافس في الوقت نفسه مع منافسين صينيين سريعي النمو في مجال السيارات الكهربائية.
الشركات تواجه مأزقا مستحيلا
وصف ينس إسكيلوند، رئيس غرفة التجارة الأوروبية في الصين، وسائل الضغط الجديدة التي تستخدمها بكين بأنها "صندوق أدوات خارج الحدود الإقليمية"، والتي ستزيد من "تعقيد التجارة العالمية". "قد تكون هناك حالات يصعب فيها على الشركات الامتثال في الوقت نفسه لجميع الإجراءات التنظيمية التي تفرضها الولايات المتحدة أو أوروبا أو الصين"، كما قال إسكيلوند لـ DW.
وبحسب أرسيساتي، محللة "ميركاتور"، هناك مؤشرات متفرقة على أن الصين تمارس بالفعل ضغوطا على الشركات الأجنبية التي ترغب في نقل أجزاء من إنتاجها إلى بلدان أخرى. "توصلت القيادة الصينية إلى استنتاج مفاده أن أفضل طريقة لتأمين الريادة الوطنية في هذه التكنولوجيا (يقصد السيارات الكهربائية) هي أن تصبح الصين أكثر اكتفاءً ذاتيا وأن يعتمد العالم بشكل أكبر على الصين في سلاسل التوريد والتكنولوجيا"، كما أوضح لـ DW.
وقد أبدت بكين بالفعل استعدادها لاستخدام سلاسل التوريد كوسيلة للضغط، حيث شددت العام الماضي الرقابة على تصدير المعادن الأرضية النادرة والمعادن الحيوية الأخرى. وتُعد هذه المواد أساسية لتصنيع السيارات الكهربائية وأنظمة الدفاع والإلكترونيات الحديثة.
ضغوط من الصين لتخفيف حدة لائحة الاتحاد الأوروبي
يتعرض الاتحاد الأوروبي لضغوط متزايدة من بكين لتخفيف حدة لائحة الاتحاد الأوروبي. كما أن العديد من دول الاتحاد الأوروبي التي تربطها علاقات اقتصادية وثيقة ببكين بما في ذلك ألمانيا تضغط من أجل اتباع نهج أكثر حذرا.
وخلال عام 2025، حافظ العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين على مستوياته المرتفعة. وتشير بيانات "يوروستات" إلى أن صادرات الاتحاد بلغت 199.6 مليار يورو، مقابل واردات قدرها 559.4 مليار يورو، ما أسفر عن فجوة تجارية كبيرة بلغت 359.8 مليار يورو. ورغم ذلك فإن بروكسل قد تجد صعوبة في الصمود، حتى مع تحذيرات العديد من المحللين من الحاجة المُلحّة إلى تأمين مستقبل أوروبا الصناعي.
وتقول أليس غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك الاستثمار الفرنسي ناتيكسيس في حديث مع DW: "لو كنت سياسية أوروبية، لضاعفت من حدة الموقف". وتابعت: "إذا استمرّينا في تقبل التهديد الصيني، فسوف يتقلص مجال تحركنا أكثر فأكثر".
أعده للعربية. م.أ.م/ تحرير: صلاح شرارة